مشروع بتوقيع إيتانا للتوثيق والتدريب والأبحاث وأمم للتوثيق والأبحاث
A joint project by ETANA Documentation, Training & Research and UMAM Documentation & Research
AToolbox for Rethinking Syria
عود على سوريا: لزوم ما يلزم...
توثيق الظلام
توثيق الظلام
عام 1922، في سجن جزيرة أرواد، نظم نجيب الريس (1898 ــ ‏‏1952)، المعتقل يومذاك في ذلك السجن على يد السلطات ‏الفرنسية لما كان يجهر به مِنْ مواقف مناهضة لها، ــ نظم قصيدته ‏التي مطلعها «يا ظلامَ السّجْنِ خيّم»، والتي كُتِبَ لها من الشهرة ‏بين الناطقين بالعربية أن تحولت كلماتها، مخطوطةً أو ملقاةً أو ‏مغناة، إلى ما يشبه «الأيقونة» و«البيان السياسي» و«النشيد ‏الوطني» من كل الذين تعنيهم المسألة السجنية من قريب أو ‏بعيد. ‏

في 11 حزيران 2016، في ساحة باريسية منسوبة هي نفسها إلى ‏سجن عريق، تظاهر المئات من السوريين، ومن أصدقاء الشعب ‏السوري، تحت عنوان لا محل للالتباس في ما يحيل إليه «المعتقلون ‏أولاً»؛ ولا ما يدهش أنَّ شَرْحَ هذا العنوان، كما مَثَلَ على بعض ‏الملصقات، كان «لكلّ السوريين القابعين في ظلام الزنازين»!‏

بالطبع ليست سوريا البلد (العربي) الوحيد الذي عُرِفَ «السجن» ‏فيه، تحت ظروف وعهود مختلفة، كمرادف لتضييق المشاركة في ‏الحياة السياسية إلى حد الإلغاء، ولقمع الحريات العامة والخاصة، ‏وما يجري مجرى هذا وذاك. وعلى أنه كذلك، فإن لـ«الظلام ‏السّجني»، في نسخته السّوريّة، قبل آذار 2011 وبعده، وحتى يومنا ‏هذا، خصوصيّة تتضافر الشواهد عليه. وإن يكن ازدهارُ الأدب ‏السجني السوري، حتى قبل 2011، تعبيراً من هذه التعبيرات، فإن ‏إمْعانَ النّظام في التوسل بالاعتقال، بل إفراطَه في ذلك، علاوة ‏على ما تَسَرَّبَ خلال السنوات الماضية من شواهِدَ تؤكد ما تَذْهَبُ ‏إليه سردياتُ السجناء السّابقين في وَصفِ أهوال ذلك «الظلام»، ‏وضع مسألة الاعتقال في الصَّميمِ من المفاوضات التي يجتهد ‏العالم لترتيبها بين «النظام» و«المعارضة». وليس من عبث على ‏الإطلاق أنْ أثبتت تلك المُفاوضات نفسها أن بند «المعتقلين» ليس ‏بنداً خلافياً فقط، وإنما بندٌ من شأنه، في عداد أمور أخرى، أنْ يعطل ‏هذه المفاوضات. ‏
‏ ‏
وإذ هو كذلك فلأن ما لا بُدَّ من الإلحاح في التذكير به أنَّ هذا ‏‏«النّظام» لا يُسألُ فقط عما جرى، ويجري، من ارتكابات في عهد ‏بشار الأسد، بل يسألُ أيضاً عما كان من ارتكابات خلال العهد ‏السابق، عهد حافظ. وإن تكن «التجزئة» من مقتضيات التفاوض، ‏فإنَّ المسؤولية التاريخية لهذا النظام بوصفه لا تتجزأ؛ فالحق، مثلاً، ‏في معرفة مصير فلانة التي اعتقلت خلال جمعة من جمعات ‏الثورة، وفقد أثرها من إذاك، لا يتدنى في شيء عن الحق في ‏معرفة مصير فلان الذي اعتقل مطلع الثمانينيات وابتلعته غيابة ‏هذا السجن أو ذاك، وعليه قس.‏